عبد الكريم الخطيب
871
التفسير القرآنى للقرآن
في فلكهما ، كما للشمس سلطان على كل ما يقع في فلكها ، . ولهذا جاء قوله تعالى : « كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ » مسندا فيه الفعل إلى هذه المخلوقات بضمير العاقل ، ليشير بذلك إلى أنها كائنات تسير على هدى ، فلا تزلّ ، ولا تنحرف ، حتى لكأنها موجهة بإرادة عقل رشيد حكيم . . فهي وإن بدت لنا أنها غير عاقلة ، فإن نظامها الذي تجرى عليه ليدلّ على أنها تتحرك بتوجيه قوة عاقلة حكيمة ، إن لم تكن في ذاتها فهي قائمة عليها . . أما حين لا تراد هذه المخلوقات لذاتها ، وإنما تراد آثارها ، أو بعض آثارها ، فإن التعبير القرآني عن ذلك يجئ بلفظ « الجعل » لا « الخلق » . . مثل قوله تعالى : « وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً » ( 96 : الأنعام ) وقوله سبحانه : « وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً » ( 12 : الإسراء ) . . وفي ضمير الجمع العاقل في « يَسْبَحُونَ » إشارة إلى أنه وإن كان لكل مخلوق من هذه المخلوقات فلك يسبح فيه ، فإنها جميعا ينتظمها فلك عام ، هو فلك الوجود كله ، الذي يحوى كل فلك ! قوله تعالى : « وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ » . كان المشركون يستثقلون مقام النبىّ الكريم فيهم ، وقد ساقوا إليه من ضروب السّفه ، وألوان الأذى ، النفسي والمادي ، في نفسه ، وفي أصحابه ، ما لا يحتمله إلا أولو العزم من الرسل . . فلما ضاقوا به ذرعا ، وأعيتهم الوسائل في صده عن دعوته إلى اللّه - كان ممّا يعزّون به أنفسهم ، ويمنّونها الأمانىّ فيه ، أن ينتظروا به تلك الأيام أو السنين الباقية من عمره ، وقد ذهب أكثره ،